محمد محمد أبو موسى

730

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

وإذا كان البيانيون قد أطلقوا هذه الكلمات على معانيها اللغوية الا أنهم قالوا : ان الجارحة هنا خيالية غير متحققة ، فكيف يكون اللفظ هنا دالا بظاهره على معنى والمراد غيره على جهة التصوير كما ذكر في التعريف ؟ وهل يكون اطلاق لفظ الرجل على رجل متخيل غير حقيقي اطلاقا له على غير معناه ؟ ولو سلمنا له بهذا فهل يمكن أن يكون ذلك مراد البيانيين بالتخييل ؟ وعلينا أن نذكر الآن ما قاله الزمخشري في التخييل في الموضع الذي أفاد منه العلوي ما ذكره في فائدته ، وأن نتبين كيف كان علماء البيان يفهمون هذه الصور التي جاءت على طريقة التخييل . يقول في قوله تعالى : « وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ » « 109 » : « والغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته ، ومجموعه ، تصوير عظمته ، والتوقيف على كنه جلاله لا غير ، من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز ، وكذلك حكم ما يروى أن جبريل جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : « يا أبا القاسم ، ان اللّه يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع ، والأرضين على إصبع ، والجبال على إصبع ، والشجر على إصبع ، وسائر الخلق على إصبع ، ثم يهزهن فيقول : أنا الملك » ، فضحك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم تعجبا مما قال ، ثم قرأ تصديقا له : « وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ » « 110 » وانما ضحك أفصح العرب صلّى اللّه عليه وسلم وتعجب ، لأنه لم يفهم منه الا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور امساك ولا إصبع ولا هز ولا شئ من ذلك ، ولكن فهمه وقع أول شئ وآخره على الزبدة والخلاصة التي هي الدلالة على القدرة الباهرة ، وأن الأفعال العظام التي تتحير فيها الأفهام والأذهان ولا تكتنهها الأوهام هينة عليه هوانا لا يوصل السامع إلى الوقوف عليه الا اجراء العبارة في مثل هذه الطريقة من التخييل ، ولا ترى بابا في علم البيان أدق ولا أرق ولا ألطف من هذا الباب ، ولا أنفع وأعون على تعاطى تأويل المشتبهات من كلام اللّه تعالى في القرآن ، وسائر الكتب السماوية ،

--> ( 109 ) الزمر : 67 ( 110 ) الزمر : 67